المواد الكيميائية الدائمة في مستحضرات التجميل: العالم يشرّع … والعالم العربي محلك سر

د. عادل الغيثــــــــــــي -رئيس الشبكة العربية للتصدي للملوثات البيئية الناشئة

تشهد المواد الكيميائية الدائمة المعروفة باسم PFAS  تشديدًا غير مسبوق في الرقابة والتنظيم على المستوى العالمي، ولا سيما في مستحضرات التجميل التي تُستخدم بشكل يومي ومباشر على الجلد. وتُظهر الأرقام الحديثة أن هذه القضية لم تعد نظرية أو بحثية، بل تحوّلت إلى ملف إنفاذ قانوني فعلي ترافقه غرامات مالية كبيرة في عدد من الدول المتقدمة، في مقابل غياب شبه كامل للبيانات والأنظمة الرقابية المماثلة في معظم الدول العربية.

في كندا، فُرضت في فبراير 2026 غرامة قدرها  750  ألف دولار كندي على شركة Estée Lauder  بعد ثبوت تسويقها منتجات كحل عيون تحتوي على مركّب من PFAS يُعرف باسم Perfluorononyl Dimethicone، دون الالتزام بمتطلبات الإخطار المسبق المنصوص عليها في قانون حماية البيئة الكندي. وسبق ذلك، في مارس 2024، تغريم شركة Groupe Marcelle  مبلغ 500  ألف دولار كندي بسبب تسويق أقلام عيون وشفاه تحتوي على المركّب نفسه، مع سحب المنتجات من سلاسل التوزيع.

ولا تقتصر هذه الإجراءات على كندا وحدها. ففي الولايات المتحدة، كشفت بيانات صادرة عن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)  أن ما لا يقل عن 51  مركّبًا مختلفًا من PFAS يُستخدم بشكل متعمّد في مستحضرات التجميل، ضمن أكثر من 1,700 تركيبة تجميلية مسجّلة. وتشير البيانات إلى أن منتجات العيون، مثل الكحل وظلال العيون، تُعد من أكثر الفئات احتواءً على هذه المركبات، نظرًا لقدرتها على تعزيز الثبات ومقاومة الماء.

وعلى مستوى التشريعات، بدأت عدة ولايات أمريكية، من بينها كاليفورنيا وواشنطن وكولورادو، في إقرار قوانين تحظر أو تقيّد استخدام PFAS في مستحضرات التجميل، مع جداول زمنية للتنفيذ تمتد بين عامي 2025  و 2030. أما في الاتحاد الأوروبي، فيجري التعامل مع PFAS باعتبارها فئة كيميائية واحدة، ضمن توجه تشريعي شامل يهدف إلى تقليص استخدامها تدريجيًا في المنتجات الاستهلاكية.

في المقابل، لا تتوفر في الدول العربية حتى الآن قواعد بيانات وطنية أو إقليمية توضّح حجم استخدام المواد الكيميائية الدائمة في مستحضرات التجميل، ولا توجد متطلبات إفصاح مُلزمة تُجبر الشركات المستوردة أو المصنّعة على الإبلاغ عن وجود هذه المركبات قبل طرح المنتجات في الأسواق. كما لا تتوافر أنظمة تتبّع ورصد تمكّن الجهات الرقابية من تحديد المنتجات التي تحتوي على PFAS أو مقارنة وضعها التنظيمي بما هو معمول به في الأسواق الدولية.

ويؤدي هذا الغياب إلى فجوة معرفية وتنظيمية واضحة، حيث يتم تداول منتجات قد تكون خاضعة للغرامات أو القيود في دول أخرى، دون وجود أدوات محلية لرصدها أو تقييم مخاطرها. كما يُضعف ذلك قدرة الأسواق العربية على الاستجابة السريعة للتغيّرات التنظيمية العالمية، ويحدّ من جاهزية الشركات المحلية التي تسعى إلى التصدير أو الالتزام بمعايير الاستدامة الدولية.

وتشير تقديرات منظمات بيئية دولية إلى أن التعامل مع PFAS بات يُنظر إليه كجزء لا يتجزأ من منظومة الحوكمة البيئية وحماية المستهلك، وليس كملف كيميائي متخصص فحسب. فالغرامات المفروضة، والتي وصلت في بعض القطاعات غير التجميلية إلى مئات الملايين من الدولارات عالميًا، تعكس حجم المخاطر القانونية والمالية المرتبطة بعدم الشفافية أو التأخر التنظيمي.

ي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لـ الشبكة العربية للتصدي للملوثات البيئية الناشئة بوصفها منصة إقليمية قادرة على سد الفجوة المعرفية والتنظيمية في ما يتعلق بالمواد الكيميائية الدائمة، وعلى رأسها PFAS. ويمكن للشبكة أن تضطلع بدور قيادي فاعل من خلال:

  • إنشاء قواعد بيانات إقليمية لرصد استخدام PFAS في مستحضرات التجميل والمنتجات الاستهلاكية.
  • تطوير معايير إفصاح وشفافية تتماشى مع أفضل الممارسات والتشريعات الدولية.
  • دعم الجهات الرقابية العربية عبر آليات التتبع والمقارنة التنظيمية مع الأسواق العالمية.
  • رفع جاهزية الشركات والمؤسسات العربية للامتثال للتشريعات الدولية وتعزيز فرصها التصديرية.

وفي هذا الإطار، أصدرت الشبكة بالفعل تقارير تحليلية متخصصة ودليلًا إرشاديًا يركّز على الملوثات البيئية الناشئة، كما توفّر برامج تدريبية وورش عمل وويبينارات تستهدف الجهات الرقابية، والمؤسسات الصناعية، والقطاع الأكاديمي، بهدف بناء القدرات الفنية، وتعزيز الفهم العملي لمتطلبات السلامة الكيميائية والاستدامة البيئية.

إن تبنّي هذا الدور لا يسهم فقط في حماية المستهلك العربي، بل يعزّز أيضًا موقع المنطقة ضمن التحولات العالمية المتسارعة في مجال السلامة الكيميائية، والحوكمة البيئية، والاستدامة.

EPN@2025. All rights reserved