د. عادل الغيثي -رئيس الشبكة العربية للتصدي للملوثات البيئية الناشئة
رغم التسارع الدولي في دراسة الملوثات البيئية الناشئة وتأثيراتها الخطيرة على البيئة وصحة الإنسان، لا يزال هذا الملف يحظى باهتمام محدود في العالم العربي، سواء على مستوى السياسات البيئية أو برامج الرصد أو حتى الوعي المجتمعي. ويطرح هذا الواقع تساؤلًا جوهريًا: لماذا تأخرنا في التعامل مع خطر بات واضحًا علميًا على المستوى الدولي؟
هيمنة النظرة التقليدية للتلوث
لا تزال المقاربة السائدة في معظم السياسات البيئية العربية أسيرة المفهوم التقليدي للتلوث، الذي يختزل جودة البيئة في مجموعة محدودة من المؤشرات الكلاسيكية مثل المواد العضوية القابلة للتحلل، والأكسجين الحيوي والكيميائي، والمعادن الثقيلة. ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإن الاكتفاء بها لم يعد يعكس الواقع المعقّد للتلوث في القرن الحادي والعشرين.
تعتمد هذه النظرة على ملوثات مرئية وسهلة القياس، ذات تأثيرات آنية يمكن رصدها بسرعة، وهو ما ينسجم مع منطق الاستجابة السريعة للأزمات. في المقابل، تُعد الملوثات الناشئة ملوثات صامتة، تعمل بتركيزات منخفضة، وتُحدث آثارًا تراكمية بعيدة المدى، ولا تتسبب في كوارث فورية يمكن توظيفها سياسيًا أو إعلاميًا، ما يجعلها خارج دائرة الاهتمام العاجل لصنّاع القرار
كما أن هذا المنظور التقليدي يقوم على افتراض خاطئ مفاده أن ما هو غير منصوص عليه في التشريعات غير ذي أولوية، وأن ما لا يظهر في تقارير الرصد الروتينية لا يمثل خطرًا حقيقيًا. ونتيجة لذلك، تستمر برامج المراقبة البيئية في إعادة إنتاج البيانات نفسها منذ عقود، دون تحديث منهجي يعكس التحولات في أنماط الاستهلاك الدوائي، والصناعي، والتكنولوجي، وأنماط الحياة الحديثة.
وتزداد الإشكالية تعقيدًا عندما يُنظر إلى الملوثات الناشئة على أنها “قضايا بحثية أكاديمية” لا ترتبط مباشرة بالتنمية أو الصحة العامة، في حين أن الأدلة العلمية العالمية تؤكد ارتباطها الوثيق بالأمراض المزمنة، ومقاومة المضادات الحيوية، وتدهور النظم البيئية. هذا الفصل غير المبرر بين العلم والسياسة يؤدي إلى تأخر الاستجابة، ويُبقي المنطقة في موقع المتلقي للآثار بدل أن تكون فاعلًا في الوقاية.
إن استمرار هيمنة هذا التفكير التقليدي لا يعكس نقصًا في المعرفة العلمية، بقدر ما يعكس جمودًا مؤسسيًا في تحديث المفاهيم، ويؤكد الحاجة الملحّة إلى إعادة تعريف التلوث البيئي في الخطاب الرسمي العربي، ليشمل المخاطر غير المرئية، قبل أن تتحول إلى أزمات مكلفة صحيًا واقتصاديًا.
تحديات تقنية وتمويلية
رصد هذه الملوثات يتطلب تقنيات تحليل متقدمة، وكفاءات بشرية عالية، وتكاليف تشغيل مرتفعة. كثير من المختبرات في المنطقة إما تفتقر لهذه الإمكانيات أو لا تحظى بالاعتماد الدولي اللازم. كما أن برامج التمويل البحثي العربية نادرًا ما تخصص مسارات واضحة لدراسة الملوثات الناشئة أو مقاومة المضادات الحيوية البيئية.
فجوة بين البحث العلمي وصنع القرار
رغم وجود أبحاث جامعية عربية متميزة في هذا المجال، فإنها غالبًا تبقى حبيسة المجلات العلمية، دون أن تتحول إلى سياسات عامة أو خطط تنفيذية. ويعود ذلك إلى غياب قنوات التواصل المؤسسي بين الباحثين والجهات التنظيمية، وضعف ثقافة العلم من أجل القرار
ضريبة عدم التحرّك
تمثل الملوثات الناشئة أحد أخطر التحديات الصامتة لأنظمة الرعاية الصحية، لأن آثارها لا تظهر في صورة أوبئة مفاجئة، بل في ارتفاع تدريجي للأمراض المزمنة وتزايد الضغط على المستشفيات والخدمات العلاجية.
فالتعرض طويل الأمد لبقايا الأدوية، والمواد الكيميائية الدائمة، والميكروبلاستيك، وجينات مقاومة المضادات الحيوية، يرتبط بزيادة:
وهنا تتحول الملوثات الناشئة من قضية بيئية إلى أزمة رعاية صحية ممتدة، ترفع كلفة العلاج، وتطيل مدة الإقامة في المستشفيات، وتستنزف الموارد البشرية والطبية.
في دول مثل أستراليا، يُنظر إلى رصد الملوثات الناشئة كجزء من الوقاية الصحية المبكرة، حيث يُربط ملف المياه، والصحة العامة، ومقاومة المضادات الحيوية ضمن منظومة واحدة. هذا النهج الوقائي أسهم في تقليل الأعباء المستقبلية على النظام الصحي، وخفض كلفة العلاج مقارنة بالتدخل المتأخر.
أما في كثير من الدول العربية، فإن غياب هذا الربط يؤدي إلى:
إن الاستثمار في رصد الملوثات الناشئة والتحكم بها ليس فقط حماية للبيئة، بل سياسة صحية وقائية تقلل من الضغط على المستشفيات، وتحمي الأجيال القادمة من أمراض كان يمكن تفاديها.
إن تجاهل الملوثات الناشئة لا يدفع ثمنه قطاع البيئة وحده، بل تدفعه المستشفيات، والأطباء، والمرضى، والاقتصادات الوطنية على حد سواء.
الشبكة العربية للتصدي للملوثات البيئية الناشئة (اختصارا " إيبن") (EPN) هي مبادرة رائدة تهدف إلى معالجة التحديات البيئية المرتبطة بالملوثات الناشئة في المنطقة العربية من خلال تعزيز التعاون الإقليمي والدولي وتقديم حلول مستدامة.